السبت، 20 سبتمبر 2008

أوراق اللافندر



في دنيا تلثمت بالقبح، وحجبت عن أعيننا الألوان، ولم تعد أعيننا ترى سوى الرمادى بكل درجاته الى الأسود... وددت لو أتأمل شيئا رقيقا، ناعما، باسما؛ ابتسامة خافتة، تؤرجحنا بين الغموض وسكون النفس... هو صوت فيروز الرشيق المتخلل بخفة وسحر الي الآذان، مقبّلا العقول، ثم معاشقا القلوب في ليلة صيف نسيمها متراقص بدلال... هو لحن ناى وقيثارة يبحث في النفوس المربكة على مجرى لنبع المشاعر؛ التى أوهمتنا مشاغلنا وهمومنا أنه جف... هو بيت شعر رقيق، حالم، عاشق يغمر أرواحنا التى حاصرتها المادّة؛ فتفيق من غفوتها، و تبتسم راضية، و تمدّد ذراعيها، وترتعش رعشة الفائق من نوم طويل... فتبعث لأعيننا دمعة حارة، اختلط انحدارها البطىء بلذة وألم، نزلت وجلة، ترتخى على وجنة تستغرب حضورها دون داع لحزن... ترد الدمعة وهى تبرد شيئا فشيئا و تواصل الانحدار: لا... لست أنا دمعة حزن... بل تطهير... نادتنى الكلمات الساحرة فأتيت... رأيت فى ذلك تنقية لنفسك و تنشيط لروحك...


وددت لو أتأمل ورقة لافندر... أتعجب للتأثير الساحر الذى يتركه لونها على نفسي... ذلك الصفاء الأخاذ الذى يتسلل عينى ويختلط بأنفاسى ويداعب أطراف أصابعى، فتذوب حواسى فى سيمفونية استمتاع نادرة، تسمو بى الى ما فوق الأرض بقليل... أفقد خلالها، عن طيب خاطر، التمييز بين وظائف كل حاسة من حواسى... أتحول الى كل متكامل؛ ذائب، مستمتع، حالم...


أغسل روحى مما علق بها من أسباب غضب ومرارة، مع كل شىء جميل تتعلق به عيونى... أصادفه فى الشوارع، ملقى على الأرض، معفر، مطموس الألوان، أو نصف ذابل... أنقب فى الوجه القبيح عن لون الأعين أو صدق الابتسامة... وعلى رمل الصحراء الممتدة بلا نهاية، يبهجنى تبختر الشمس بلونها الزاهى، وشقاوتها। ومداعبتها للصحراء؛ ذلك المخلوق الجاد، العابس، الغير مبتسم... وتتباهى الشمس بحسن السماء التى تتدلى منها... وكأنها توشوش الصحراء عابثة: ألا تغارين من سحر تلك السماء وروعتها؟ ألا ترين الى كم لون تتحول بين ليل ونهار وفجر و غسق و أصيل وغروب؟ أرأيت كيف تحتضن السحاب الأبيض البهى الأشكال فتجمده و تذيبه، وتنفخ فى وجهه فتقربه وتبعده، وتبرقه وترعده؟ ألا ترين كيف نتناغم سوبا لنصنع هذا الجمال؟ أتعرفين كم نجم وقمر سويا نضىء؟! استمتعى بتلألؤ ذرات رمالك وتلون قمم جبالك و ترعرع ما تجودين به من قليل نباتاتك بين أذرعى وتحت رداء السماء الصافى، الحنون، الدافىء... الذى اهترأ طرفه الذى ضم أروع درجات زرقة السماء، وسقط متهاديا على أرض خصبة... فنمت وتفتحت أوراق اللافندر

هناك تعليق واحد: